أبو نصر الفارابي

61

الجمع بين رأيي الحكيمين

الكتب المنحولة : لقد نسب العرب إلى أرسطو مؤلفات لا تتفق محتوياتها مع مذهبه ، وظنوها له . فأدخلوا في فلسفته عناصر غريبة عنها أكثرها افلاطوني ممزوج بمذهب فيثاغورس أو افلاطوني حديث . فكانوا لا يترددون في نسبه كتاب « في العالم » اليه ، وكذلك « كتاب الخير المحض » الافلوطيني النزعة . ونسبوا اليه كتبا كثيرة كتبها الإغريق بعده ، وفيها قول صريح بمذهب أفلاطون مشوبا بمذهب فيثاغورس ، أو فيها مذاهب جديدة ملفقة من مختلف المذاهب . ومثال ذلك « كتاب التفاحة » « 1 » . يلعب أرسطو في هذا الكتاب نفس الدور الذي يلعبه سقراط في محاورة « فيذون » التي كتبها أفلاطون : يدنو من أرسطو الاجل ، فيأتي بعض تلاميذه لعيادته ، ويجدونه مبتهج النفس ، فيدعوهم هذا إلى سؤال معلمهم المشرف على الرحيل ان يعلمهم شيئا في حقيقة ماهية النفس وخلودها . فيقول لهم شيئا قريبا من هذا : حقيقة النفس في المعرفة ، في اسمى صورها ، وهي الفلسفة ، وكمال معرفة الحقيقة هو السعادة التي تنتظر النفس العارفة بعد الموت ، وثواب العلم علم أكمل منه ، وكذلك عقاب الجهالة جهالة أشد . والحق انه ليس في هذه الحياة ولا في الحياة الآخرة ، ولا في السماء ولا في الأرض ، الّا الفلسفة والجهالة ، وما تأتي به كل منهما من جزاء . والفضيلة لا تختلف في حقيقة امرها عن الفلسفة ، كما لا تختلف الرذيلة عن الجهالة ، ونسبة الفضيلة إلى الفلسفة أو الرذيلة إلى الجهالة كنسبة الماء للثلج ، فهما شيء واحد وان بانت صورة كل منهما صورة الآخر . والنفس لا تجد لذتها الّا في الفلسفة التي هي الامر الإلهي في النفس ، وليست تجد النفس سرورها في المطاعم ولا في المشارب ولا في اللذات الحسية . وما اللذة الحسية الّا جذوة تلتهب قليلا ، ثم تخمد . والنفس العاقلة التي تصبو إلى الخلاص من عالم الحواس المظلم ، هي نور محض ينبعث إلى مدى بعيد . ومن اجل هذا كان الفيلسوف لا يرهب الموت ، بل هو يلقاه مستبشرا متى ناداه الاله ، وان اللذة التي تهيئها له معارفه القليلة في هذه الحياة هي الدليل على ما سيقع له عند الموت من سعادة : حين ينكشف له العالم الأكبر الذي يجهله ، بل إنه ليعرف منذ الآن شيئا من هذا المجهول ، لان معرفة الشاهد الذي يرى ، وهي المعرفة التي نفتخر بها ، لا تكون الّا بمعرفة الغائب الذي لا يرى . ومن عرف نفسه في هذه الحياة كفلت له هذه المعرفة ان يدرك كل

--> ( 1 ) تسمى هذه المحاورة « كتاب التفاحة » لان أرسطو في أثنائها يمسك بيده تفاحة يعصم بريحها ما بقي من نفسه . وفي ختام المحاورة ترتخي قبضة يده ، فتسقط التفاحة على الأرض . ( يوجد مختصر لهذا الكتاب مخطوطا ضمن مجموعة بالمكتبة التيمورية بدار الكتب المصرية ، وعنوانه « مختصر كتاب التفاحة » لسقراط ، وللفيلسوف الذي يتكلم هو سقراط .